حيدر حب الله

472

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

ليس إنساناً . إنّه إنسان ، وقد تشكّلت هويته وانتهت ، ( والإنسانية ) التي نتحدّث عنها ليست هي هويّته ، وإنما هي مفاهيم اصطنعها هو يرى فيها الأصلح لفرده ولمجتمعه ، فلا يصحّ أن أخلط بين إنسانية الإنسان بالمعنى الوجودي وإنسانية الإنسان بالمعنى الأخلاقي ، وإلا فسوف ارتكب أخطاء كبيرة . إذا اتضح ما تقدّم ، نصل إلى الإشكالية التي يواجهها السؤال المثار أعلاه ، وهي أنّه لا يصحّ أن أفترض أنّ إنسانية الإنسان وجودياً تستدعي كونه إنسانيّاً ( بالمعنى المعاصر ) أخلاقيّاً ، حتى أفرض حمولات أخلاقية وقانونية بحجّة أنّ هذا ما تستدعيه الإنسانية الوجوديّة ، هذا الأمر بهذا القدر لا يكفي ، بل يحتاج إلى عناصر أخَر يجب إقحامها . مثلًا : كثير من أهل الأديان عندما يريدون ذمّ شيء يقولون بأنّ هذا ما تفعله الحيوانات ، التعرّي فعل حيواني ، والزنا فعل حيواني ، والعدوانية فعل حيواني ، لكنّهم من جهة أخرى يقولون : تعلّم من هذا الحيوان كالكلب الصدق والإخلاص ، ومن هذا الحيوان كالنملة الصبر ، ومن هذا الحيوان كالجمل الحياء و . . في تقديري هذه المنظومة الخطابية غير واضحة المعالم ؛ لأنّ حيوانيّة الحيوان ليست قيماً وأخلاقيّات خاصّة من الناحية الفلسفيّة ، إنّما هي شيء آخر ، حتى أنّ الحيوان لا يعي الإخلاص أو الحياء ولا ينطلق نحوهما من وعي قيمي أخلاقي ، تماماً كما لا يعي الشهوة الجامحة أو العدوانية القاتلة حتى نقول بأنّه يُقدم عليهما من منطلق وعي قيمي أخلاقي معيّن . نعم ، كلّما تعاليت أخلاقياً فإنّني سوف أبتعد عن البُعد الحيواني الخالص ، وكلّما تسافلت أخلاقيّاً فسوف أشبه نمط عيش الحيوانات ، هذه تشبيهات تستخدم للتدليل على أنّ القيم الأخلاقية شأنٌ إنساني ؛ لأنّ الحيوان لا يعرف قيماً